bouyesfy

Just another WordPress.com site

المسلمون في الأندلس

المسلمون في الأندلس
د. علي بن المنتصر الكتاني
نحو عام 1989:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كلامي اليوم عن: “الإسلام في الأندلس: تاريخا، وحاضرا، ومستقبلا”، أود أن أجزئه إلى عدة أقسام:

ماضي الإسلام في الأندلس
أولا: سأتكلم – إن شاء الله – عن الماضي، وأبين بعض التوضيحات، وبعض المعلومات التي ربما انتشرت في كتبنا التاريخية والتي تتنافى مع الواقع، ثم أبين التسلسل المتواصل بين ماضي الإسلام في الأندلس والانبعاث الإسلامي اليوم الذي نراه في دولة إسبانيا.
وفي الحقيقة؛ منذ ثلاثة شهور تقريبا اعترفت الحكومة الإسبانية لأول مرة منذ سقوط غرناطة بالدين الإسلامي كإحدى الديانات الإسبانية الأساسية التي تستحق المساندة على نفس المستوى مع الدين الكاثوليكي واليهودي، وهذا لا شك سيفتح بابا جديدا للإسلام ومستقبلا مشرقا بإذن الله.

فتح الأندلس لم يكن غزوا:
تعلمنا في كتب التاريخ – أو في بعضها على الأقل – أن العرب دخلوا الأندلس سنة 711 ميلادية، وخرجوا منها سنة 1492 بعد “حرب استرداد طويلة” من طرف الإسبان. وهذا يتنافى مع الواقع تماما؛ لأن فتح الأندلس من طرف المسلمين لم يكن غزوا استعماريا لشعب أزاح شعبا آخر كما يقع الآن في فلسطين وكما وقع في القرون الماضية من طرف الدول الأوروبية الغازية التي احتلت شمال أمريكا مثلا، واحتلت أستراليا وأبادت شعوبها. ولكن الفتح الإسلامي للأندلس كان فتحا إسلاميا بمعنى أن: العرب الأوائل أتوا بالدين الإسلامي وقدموه للشعب الأندلسي الذي قبله وتعرّب مع مر الأيام.
فالأندلسيون هم – في الحقيقة – الشعب الأصيل في الجزيرة الإيبيرية، وهو الذي اندمج مع المسلمين الآخرين الذين قدموا لها من عرب وبربر، وتبنى الحضارة الإسلامية، وأصبحت اللغة العربية لغته، وهو الذي أعلى الحضارة الإنسانية إلى المستويات التي نعرفها.
فإذن؛ لم يكن الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية غزوا، ولكن كان تحولا حضاريا لأمة قبلت الإسلام كمحرر من الاضطهادات القائمة من طرف القوط، والحكومات التي غزتها من الشمال في تلك الأحيان، وهذا ليس كلامي فقط؛ بل حتى الكُتاب الإسبان المعاصرون أخذوا يرون الوجود الإسلامي في الأندلس بنظرة جديدة.
وأنبه بهذه المناسبة إلى كتاب صدر حديثا باللغة الإسبانية، طبع تحت عنوان: “الثورة الإسلامية في الغرب”/ “la revolución Islámica en Occidente” لإﮔناسيو أولاﮔوايIgnacio Olague، الذي يبين هذا الموضوع.
وبهذا؛ فالحرب لإخراج الإسلام من الأندلس – التي تسمى إسبانيا اليوم – لم تكن حرب استرجاع، ولكن كانت حربا استعمارية صليبية هي نفسها الحرب التي كانت تتجه نحو المشرق العربي والتي كانت تتجه نحو فلسطين بالذات. بهذا نرى هذا الارتباط – حتى في البداية – بين فلسطين والأندلس. وعندما كان الصليبيون يحاولون السيطرة على القدس – وقد نجحوا لحد ما لمدة قرن كامل – كانوا في نفس الوقت يحاربون نفس الأمة؛ وهي: الأمة المسلمة في الغرب في أرض الأندلس.
ولقد جاهد الأندلسيون جهادا طويلا مستمرا لمدة ثمانية قرون، وكانوا كلما ضعفت دولهم، وتشتت نسلهم وجدوا في المغاربة – عبر مضيق جبل طارق – المعين والمساند الذي أوقف هجوم الغادرين عليهم.
وهكذا لما انتهت الدولة الأموية في الأندلس وعاصمتها قرطبة، وتحولت الأندلس من دولة واحدة إلى دول طوائف متشتتة، وصل عددها إلى حوالي ثلاثين دولة، طلبوا مساندة المغاربة الذين كان يحكمهم في ذلك الوقت: الدولة المرابطية، فوصلت إلى الأندلس، ووحدت جمعهم، وأوقفت الغزو الصليبي بانتصار كبير.
ثم لما انهارت الدولة المرابطية؛ دخل الموحدون – كذلك – وأنقذوا الموقف، وبعد ذلك لما انهارت معظم القواعد الإسلامية ودخلت قرطبة وإشبيلية ومُرسية وغيرها بيد المستعمر، ولم يبق إلا الركن الجبلي حول مدينة غرناطة؛ كانت الدولة المرينية في المغرب كذلك المساند المتواصل.
وكان آخر عبور للجيوش المغربية للأندلس في القرن الرابع عشر، وانهزمت في معركة: Río Salado، ومنذ ذلك الحين ضعفت الدولة المغربية، ولم يعد بمقدرتها مساندة إخوانها في الأندلس، فلما ضعفت الدولة المغربية؛ أصبحت الأندلس لأول مرة عاجزة عن الدفاع عن نفسها إلا بقواتها الخاصة.
وهكذا؛ لما حدث في أواخر القرن الخامس عشر وتشتتت وحدة الأندلسيين نفسهم، وفي نفس الوقت توحدت الدول النصرانية في شبه الجزيرة الإيبيرية، وقرروا العزم على استئصال آخر دولة إسلامية في الأندلس؛ استغاث الأنلدسيون فلم يجدوا من يغيثهم، وهكذا احتلت غرناطة سنة 1492، وأصبح عدد كبير من المسلمين تحت رحمة الحكم الصليبي في ذلك الوقت من طرف الملكين الكاثوليكيين: فرناندو دي أراغون، وإيزابيلا ملكة قشتالة. Fernando de Aragón y la Reina Isabela
أنا لا أريد أن أعطي تفصيلا أكثر من هذا فيما يخص الدولة الإسلامية في الأندلس، إلى وقت سقوط غرناطة، ففي المراجع العربية الكثير عن هذه الحقبة، ولكن المراجع العربية تقف عند سقوط غرناطة وتتصرف وكأن نهاية الأمة الأندلسية انتهت بسقوط غرناطة، والحقيقة أن مصائب الأمة الأندلسية ابتدأت بسقوط غرناطة.

كيف استطاع الأندلسيون الحفاظ على هويتهم عبر قرون:
عندما سقطت غرناطة؛ تعهد الغزاة القشتاليون والأراغونيون الذين توحدوا في ذلك الوقت على احترام دين المغلوبين وحضارتهم ولغتهم العربية وكتبهم الإسلامية، ومساجدهم، وحتى الاعتراف بالشريعة الإسلامية في معاملاتهم الخاصة.
وكان الأندلسيون وافقوا على الاستسلام بهذه الشروط الطويلة العريضة التي تعهد بها ملك إسبانيا وملكة إسبانيا عليهما إلى الأبد. ولكن ما سيطر الغزاة على أرض غرناطة إلا ونكثوا كل عهودهم واحدة تلو الأخرى، ونحن الآن وصلنا إلى أواخر القرن الخامس عشر إلى بداية القرن السادس عشر؛ ماذا حدث؟.
في الحقيقة؛ كان سكان مملكة غرناطة حوالي مليون نسمة، فبسبب الحروب والتهجير هاجر منها نحو نصف مليون وبقي نصف مليون مسلم تحت حكم القشتاليين، وكان يعيش في الجزيرة الإيبيرية مئات الآلاف من المسلمين المدَجَّنين؛ يعني: المسلمين الذين قبلوا الحكم المسيحي عندما غزا المسيحيون أراضيهم منذ قرون متعددة، لدرجة أن ثلث سكان مملكة بلنسية Valencia – شرق الأندلس، والتي غزاها الإسبان في القرن الثالث عشر – كان ثلثهم من المسلمين المدجنين، وكان عشرون في المائة من سكان مملكة أراغون في أقصا الشمال الشرقي، ما يسمى الآن: سرقوصا (سرقسطة) Zaragoza وبرشلونا،Barcelona على حدود فرنسا، عشرون في المائة منهم في القرن السادس عشر كانوا مسلمين من المدجنين، يعني ذلك: أنها كانت هناك جماعات كبيرة من المسلمين تحت الحكم النصراني لمدة قرنين أو ثلاثة قرون، تعيش دون أن يذهب دينها، ودون أن تضمحل شخصيتها الإسلامية.
نعم؛ مثلا سكان أرغون كانت ضاعت لغتهم العربية، ولم يعودوا يعرفونها، ولكن حافظوا على دينهم ومساجدهم، وقضاتهم، وبهذا أصبح في أوائل القرن السادس عشر ما يعادل تقريبا مليونا ونصفا إلى مليونين من السكان المسلمين تحت الحكم النصراني، أي: ما يعادل – تقريبا – خمسة وعشرين في المائة من مجموع سكان إسبانيا.
وسرعان ما سيطرت إسبانيا على هذه المجموعة الكبيرة من المسلمين، وقررت تنصيرهم بالقوة، وأول عمل عملوه هو: إحراق الكتب الإسلامية جميعها في الساحات العامة، ثم أجبروا المسلمين على تنصير أسمائهم، ثم حاولوا تنصيرهم بالمداهنة والترغيب والترهيب، فتنصر كثير منهم. مثلا: تنصر الأميران نصر وأخوه محمد ابنا السلطان أبي الحسن، وأخوا السلطان محمد أبي عبد الله، وتنصرت عائلة بني غاش، وتنصر سيدي علي النيار حاكم المرية، وتنصرت عائلات كثيرة.
كما هاجر عدد كبير من زعماء الأمة إلى المغرب؛ من بينهم: بنو سراج وغيرهم. ولكن الأكثرية الساحقة من السكان والأهالي رفضوا التنصر، ولم يتمكنوا كذلك من الهجرة.
وحوالي سنة 1500 قررت الكنيسة الكاثوليكية تنصير المسلمين بالقوة، وتعميدهم، وقامت ثورات متعددة أزهقت فيها الأرواح الكثيرة، وأرغموا جميعا على التنصر في البشارات وغيرها، وهكذا مر القرن السادس عشر بأكمله والمسلمون يذوقون الأمرين من محاكم التفتيش التي تكونت لتنصير المسلمين ومراقبتهم حتى لا يقوموا بأي عمل إسلامي في نظرهم.
وهكذا؛ تحولت هذه الجماهير الأندلسية إلى أمة مزدوجة الشخصية، فهي في الظاهر بالقوة أصبحت أمة مسيحية، ولكن أصبحت بأكملها مسلمة سرا، وكونت لنفسها بعد أن منعت من استعمال اللغة العربية لغة خاصة بها، وهي ما يسمى باللغة الأعجمية Aljamiado وهي لغة إسبانية تكتب بالحروف العربية، هذا الكتيب – مثلا – [بين يدي المحاضر كتاب بلغة الألخاميادو] يعطي فكرة عن هذه اللغة يمكن أن تروه، هي إسبانية بالحروف العربية، وتوجد الآلاف من هذه الكتب بهذه اللغة في المكتبات الإسبانية. وبهذه اللغة كتبوا التفسير والسيرة النبوية، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والتاريخ الإسلامي، وتعلم أبناؤهم سرا المباديء الإسلامية…وهلم جرا.
لدرجة أنه أعطيت لهم بعض الفتاوى من فقهائهم ومن فقهاء المغرب كذلك يعلمونهم كيفية المحافظة على دينهم سرا، وكيف يصلون سرا، وكيف يصومون سرا…وهلم جرا.
وفي عام 1568 ضاق المسلمون في الأندلس ذرعا من هذه الحالة، وقرروا الثورة، فكانت ثورة البشارات العظمى. البشارات هذه: جبال جنوب غرناطة الشاهقة، ثار المسلمون فيها، ثم انتشرت الثورة إلى جميع مناطق مملكة غرناطة، واستطاعوا تحرير مناطق شاسعة، واستغاثوا للمرة الأخيرة بالمسلمين، بالدولة العثمانية، فاعتذر السلطان آنذاك بأنه سيفتح قبرص، وبعد ذلك سيساعدهم، واستغاثوا بالمغرب، واستغاثوا بمصر، وتونس، ولكن لم يُغاثوا، ولكن بعد ثلاث سنوات انهارت الثورة، وذبح المسلمون، وشرد ما تبقى من أهالي غرناطة في جميع الجزيرة الإيبيرية.
ورغم ذلك؛ لم يتنازل الأندلسيون عن دينهم الإسلامي، ولم يتنازلوا عن محبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وعن معرفتهم بالقرآن الكريم، ولو سمح لنا أن نقرأ – مثلا – قصائدهم ومدائحهم باللغة الإسبانية لرأينا الشعور القوي بينهم وبين الإسلام رغم العذاب والاضطهاد الذين أصاباهم. وعندما أقول: العذاب والاضطهاد؛ أقول لكم: إنه كان يكفي أن يفضح الابن لمحاكم التفتيش أباه ويقول: “إنه علمه سورة الفاتحة” مثلا، يكفي ذلك لكي يُزج بكل العائلة في السجن وتحرق بالنار، تحرق بالنار!. وحُرق بسبب اتهامهم آلاف المسلمين من رجال ونساء وأطفال.

الطرد من الأندلس:
وانتهى القرن السادس عشر ودخل القرن السابع عشر وأخذ المسلمون من جديد في بلنسية وأرغون والأندلس – جنوب الجزيرة الإيبيرية – يستغيثون بالدولة العثمانية، وحيث كانت الدولة العثمانية قوية؛ أصبح إمكان مساعدتها للأندلسيين إمكانية حقيقية، ولذلك أخذت الكنيسة تخاف من وجودهم.
وحيث إن الكنيسة يئست يأسا كاملا من تنصيرهم؛ أخذت تحاول إقناع ملك إسبانيا بأن يطردهم جميعا من الجزيرة الإيبيرية.
وهنا أريد أن أوضح كلمة يسمي بها الإسبان المسلمين الأندلسين. الإسبان كانوا يسمون المسلمين في الأندلس بكلمة: “مورو”، وعندما أجبروا المسلمين على التنصر سموهم ما يسمى بالمسلمين المتنصرين، وهم لم يتنصروا في الحقيقة، بل أجبروا على التنصير، سموهم بـ: “موريسكوس”، “موريسكو” هي تصغير: “مورو”، تصغير للاحتقار، ولذلك عندما نقول في هذا الكتاب: “تاريخ مسلمي الأندلس الموريسكيين”، الموريسكيون هم: المسلمون الذين كانوا مسلمين سرا ونصارى ظاهرا، أو على الأقل رسميا.
وفي سنة 1609 قرر طاغية إسبانيا لذلك الوقت طرد المسلمين جميعا، وفي الحقيقة لم يستطع طردهم، بل طرد معظم مسلمي مملكة أراغون، حيث طرد حوالي 250 ألف نسمة من منطقة بلنسية، وأراغون، وقطلونيا، أما منطقة قشتالة والأندلس؛ فلم يطرد منهما إلا 250 ألفا فقط، بينما كان عدد الإسبان المنحدرين من المسلمين لذلك الوقت ما يعادل مليونا ونصفا، فيكون في الحقيقة طرد معظم المسلمين في مملكة أرغون، ولم يطرد إلا قسما ضئيلا من المسلمين في مملكة قشتالة، وفي جنوبها؛ يعني: المنطقة التي تسمى اليوم: الأندلس. طُردوا في أسوأ الأحوال، نُزعت أملاكهم جميعا، وجمعوا في نقاط من الشاطيء، وكلفت بواخر بأخذهم للشواطيء الإسلامية، وكثيرا من الأحيان كانت تلك البواخر تلقيهم في وسط البحر لأخذ ممتلكاتهم التي كانت معهم، وفي كثير من الأحيان كانوا يصلون الشواطيء المغربية، وكانت القبائل التي تجهل شكلهم – لأنه بعد مائة سنة وهم في الظاهر نصارى أصبحوا لا يعرفون اللغة العربية وأسماؤهم أجنبية، وشكلهم نصراني – فحتى لما دخلوا المناطق الإسلامية؛ لم يستقبلوا بالاحترام والتقدير والمساندة إلا في المدن المتحضرة، فعوملوا في البادية أحيانا معاملة سيئة.
ولذلك؛ يقدَّر أن من بين خمسمائة ألف الذين طُردوا: حوالي 250 ألفا شُردوا أو ماتوا أو قتلوا، إما في إسبانيا نفسها أو في البحر، أو عند وصولهم إلى شواطيء شمال إفريقيا، وكثير منهم هاجروا إلى فرنسا ومنها إلى الدولة العثمانية أو غيرها.
وهنا أريد أن أذكر صورا من العذاب الذي حل بهم، وكل هذه المعلومات تأتينا من المراجع الإسبانية فقط، لأنه – مع الأسف الشديد – المراجع العربية شحيحة جدا بكل معلوماتها عن الموريسكيين بعد سقوط غرناطة.
فمثلا: اتخذ قرار في مدينة بلنسية أن كل من يجد موريسكيا في مملكة بلنسية له الحق أن يأتي به حيا أو ميتا، فإذا قتله؛ يأتي برأسه ويأخذ قدرا من المال، وإذا أتى به حيا؛ فيأخذ نصف القدر، وله أن يصيِّره عبدا عنده، أي: أن يستعبده. هذا يعطيكم فكرة في أن معاملة المسلمين كانت أشر من معاملة الحيوانات، وقد عملت الدولة على استعباد الآلاف منهم عندما رفضوا الخروج من البلاد.

الشعب الأندلسي لم يطرد جميعه من الأندلس:
وهذا يوصلنا إلى حقيقة تاريخية أخرى؛ وهي: أنه عندما نقرأ في كتب التاريخ – إن كانت العربية مع الأسف، أو الأجنبية – يقال: “إن العرب أُخرجوا من الأندلس”، الحقيقة هنا: أن الشعب الأندلسي لم يُطرد من الأندلس جميعه، وإنه رغم الطرد المتواصل بقيت في المنطقة الجنوبية كميات كبيرة من الذين غُلبوا على أمرهم، ورغم ذلك حافظوا على دينهم إما سرا أو تناسوه قهرا، وأصبحوا مسيحيين دون أن تدخل المسيحية قلوبهم، خاصة في المناطق الجنوبية التي تسمى اليوم: الأندلس.
وبرهان ذلك: أنه بعد الطرد الأخير الذي استمر من سنة 1609 إلى سنة 1614 يعني: لمدة خمس سنوات، اكتشفت محاكم التفتيش من وقت لآخر مساجد سرية، وأحرق بالنار – مثلا في القرن الثامن عشر – أكثر من ثمانمائة شخص اكتُشفوا أنهم مسلمون في غرناطة، بينهم أطفال ونساء ورجال. فلو كان المسلمون قد طُردوا؛ كيف يكون هذا التواجد الإسلامي المتواصل في هذه المنطقة؟.

حاضر الإسلام في الأندلس
الحركة القومية الأندلسية:
وفي القرن التاسع عشر – يعني: قبل مائة سنة – أخذ الإسلام في جنوب الأندلس – حيث بقيت الآثار البشرية الإسلامية أكثر من غيره – أخذ شكلا جديدا، وهو على صورة ما يسمى: “القومية الأندلسية”، أخذ بعض المفكرين في مدن كقرطبة وإشبيلية، وغرناطة والجنوبية، يقولون: “نحن لنا حضارة مختلفة، نحن لسنا إسبانا في الحقيقة، نحن حضارتنا هي: الحضارة الإسلامية:
هذه الحركة لم تكن حركة دينية، ولكن كانت حركة تتماشى مع سياسة العصر في أوروبا في ذلك الوقت، حركة القوميات المختلفة، فأخذ الأندلسيون بانجذاب إلى الإسلام يكوِّنون قومية جديدة لأنفسهم رغم أنه لم تكن لهم لغة خاصة بهم، ولكن كان لهم انتماء خاص بهم، هذا الانتماء هو: الانتماء للتاريخ الإسلامي ولوجوده في الأرض الأندلسية.
وحاربت الدولة هذه النعرة الجديدة محاربة شديدة، وآخر زعيم من زعماء هذه الحركة القومية الأندلسية اسمه: بلاس إنفانتي Blas Infante. بلاس إنفانتي هذا من مدينة كاساريس Casares من ولاية مالقة Málaga، رحل للمغرب في سنوات 1920، واعتنق الإسلام، وتعلم العربية، وهو يعد اليوم والد القومية الأندلسية في الأندلس، وقد قتله فرانكو في أول إبانه سنة 1936 في إشبيليا رميا بالرصاص بسبب أفكاره هذه.
وظل الإسلام تقريبا ميتا غير موجود، خاصة في قوانين لم تمكنه من الوجود؛ لأن الدولة الإسبانية منذ سقوط غرناطة إلى عام 1975 كانت دول كاثوليكية، والدين الكاثوليكي هو الدين الرسمي في الدولة، ولم يكن أي حق لأي مواطن يتبع دينا آخر، ولم يتحول هذا الوضع إلا بعد موت الجنرال فرانكو سنة 1975، فحدث في إسبانيا تغير جذري في غاية الأهمية، حوّل الأوضاع التي كانت عليها البلاد منذ توحيد الدولة الإسبانية بتوحيد دولتي قشتالة وأراغون، أي: قبل خمسمائة سنة.
وذلك أن الدولة الإسبانية تحولت من دولة وحدوية ذات دين واحد وعاصمة واحدة، إلى دولة اتحادية تعترف بالثقافات الأخرى، وتعترف بالاستقلال الذاتي للمناطق الأخرى التي لها شخصية ثقافية خاصة بها.
وكذلك لأول مرة لم يعد الدين الكاثوليكي الدين الرسمي للدولة، وأصبحت الدولة علمانية تعترف بحق المواطن في اتباع أي عقيدة يراها، وكان هذا المجال مجالا مناسبا لرجوع الإسلام إلى إسبانيا، وبالأخص في الأرض الجنوبية: أرض الأندلس.
ماذا حدث؟.
في هذا الجو الجديد؛ طلبت قطلونيا – قطلونيا كانت في الحقيقة هي المركز الأساس لدولة أراغون في التاريخ. إذ في حروب من الدولة الإسلامية في التاريخ كانت دول مسيحية متعددة، وهذه الدول المسيحية المتعددة كانت لكل واحدة شخصية قائمة بها، وكانت لكل واحدة لغتها، فلم يكن يربط بعضها البعض إلا الصليبية وعداوتها للإسلام، ومن هذه الدول: كانت مملكة أراغون، ومملكة أراغون التي انقسمت إلى ولايات منها الآن ولاية قطلونيا التي لها لغة خاصة بها، وهي: اللغة القطلونية.
فالقومية القطلونية قومية مبنية على لغة حول هذه اللغة، وتاريخ حول تاريخ مملكة قائمة بها في الماضي، وهكذا اعترف بالاستقلال الذاتي لقطلونيا بعلَمها ولغتها الرسمية، وعاصمتها وبرلمانها الخاص، وعاصمتها هي: برشلونا كما تعلمون.
ثم اعتُرف ببلاد الباسك، وهم لهم لغة خاصة بهم كذلك، وبلاد الباسك كانت في الحقيقة الأساس لمملكة ناخارا، التي كانت أول مملكة حاربت المسلمين في الماضي، ولهم لغة خاصة بهم ليست حتى لغة لاتينية، وأصبحت منطقة الباسك الآن ذات استقلال ذاتي، ولها حكومتها…وهلم جرا. وهكذا غاليسيا، وهكذا مناطق أخرى.
فجاء الأندلسيون وقالوا: “نحن لنا قومية خاصة بنا”، رغم أنهم ليست لهم لغة خاصة بهم، وتبنوا مباديء بلاس إنفانتي ، وبعد اللتي واللتيا؛ أجري استفتاء عام، وصوتت ثمانية ولايات جنوب إسبانيا بانتمائها لهذه القومية الأندلسية، وهكذا تكونت منطقة الأندلس ذات الاستقلال الذاتي، وعاصمتها: إشبيليا، بحكومة محلية، وبرلمان محلي، وعلم أخضر أبيض أخضر، أعادوا به العلم الأندلسي القديم، ونشيد قومي يعتز بأمجاد المسلمين، فأصبحت منطقة من مناطق إسبانيا متبنية في الحقيقة التاريخ الإسلامي، وتعتز به، ما أصبح أحسن جو لانتعاش إسلامي جديد في المنطقة.

عودة الأندلسيين للإسلام:
أخذت الجماعات الإسلامية تتكون أواخر السبعينيات، وكانت أول جماعة تكونت في أول الثمانينيات، وتكونت في الحقيقة من منبعين مختلفين: الآن نأتي إلى الوضع الحاضر في الحقيقة:
المنبع الأول: هو المنبع الصوفي:
والمنبع الثاني: هو هذا المنبع المتواصل من المنبع الأندلسي.
أما المنبع الصوفي: فأساسه أنه كان بعض الشبان الأندلسيين – أو الإسبان بصفة عامة، ليس فقط الأندلسيين – التقوا بإنجليزي مسلم كان أسلم على يد شيخ من الطريقة الدرقاوية في المغرب: الشيخ محمد بن الحبيب الأمغاري، في مدينة مكناس، ودخلوا في طريقته، ثم صارت أعدادهم تتكاثر، وكونوا في أوائل الثمانينات جمعية اسمها: “جمعية العودة إلى الإسلام في إسبانيا”. واجتمعوا في مدينة غرناطة، وهذه الجمعية تحولت بعد ذلك وأصبحت سلفية، والآن لها وجود متواضع في مدينة غرناطة.
أما التيار الثاني: فهو التيار الآتي من هذا التاريخ الأندلسي، وهو متكون من جماعة مثقفة من الجامعات الأندلسية، وكان عددهم ضئيلا في الأول، وابتدأوا في مدينة إشبيلية، ثم تكتثروا حتى أصبحوا الآن يعدون بالآلاف، وأسسوا المراكز الإسلامية الأندلسية في سبعة مدن؛ وهي: إشبيلية، وقرطبة، والجزيرة الخضراء، وشريش، ومالقة، ومرسية، والمرية. ولهم أتباع في المدن والقرى الأخرى.
وهم يرون أنهم السلالة المعاصرة للأندلسيين القدماء، وبهذا يرون أنفسهم النتيجة المتواصلة لمن سبقهم من قبل، ويحاولون الدعوة إلى الإسلام بين مواطنيهم في الجامعات والمؤسسات والمخابر، وقد تكاثر عددهم جدا، حتى إنهم أقاموا مؤتمرا دوليا هذه السنة [1989] في مدينة بقرب الجزيرة الخضراء حضرها عدة مئات منهم ومن المتعاطفين معهم، وكان المؤتمر ناجحا للغاية.
وهذه الحركة تجد تعاطفا في الأوساط الأندلسية؛ لأن الرجوع للإسلام في الأندلس لا يراه الكبار بعين سيئة؛ فمثلا: عندما يعتنق الأوروبي الإسلام في فرنسا أو غيرها من الدول؛ يدخل في صعوبات مع عائلته ووالديه وأبناء عمه…وهلم جرا.
أما في الأندلس؛ فمما يثلج الصدر أنه: عندما يدخل الإسلام الشاب أو الشابة يفرح والداه لذلك، ونرى مثلا الشباب المسلم في المراكز الإسلامية، في الحفلات الإسلامية؛ يدعون آباءهم وأبناء عمهم فيأتون ويحتفلون معهم. والفرق: أن الكبار لا يتجرأون على الدخول في الإسلام رغم أنهم يعطفون عليه، بينما يجد الشباب تلك الجرأة؛ إذ في كل المجتمعات للشباب جرأة أكبر.
وهذا الوجود الإسلامي الجديد جعل الاعتراف الإسلامي في إسبانيا له معنى جديد؛ لأن الإسلام في إسبانيا لم يعد كما هو الحال عليه في دول أوروبية أخرى: دينا جديدا أُدخل من طرف المهاجرين فقط. ولكن أصبح دينا محليا فيه أعداد كبيرة من الجمعيات الإسلامية التي يترأسها ويتزعمها ويعمل لها ويدعو للإسلام فيها جماعة من أهل البلد المتأصلين، منهم الذين لا يرون في الإسلام فقط دين عقيدتهم، ولكن كذلك دين أجدادهم وآبائهم، ودين حضارتهم ومستقبلهم.

مستقبل الإسلام في الأندلس
فنقول الآن: ما هو مستقبل الإسلام في إسبانيا؟، أو في الأندلس بصفة خاصة؟.
طبعا؛ المستقبل بيد الله، ولكن اجتهادنا واجتهاد الأخوة في الأندلس، واجتهاد المسلمين الذين يعيشون في الأندلس هو الذي يمكن أن يساعدهم على بناء مجتمع إسلامي في أرض إسبانيا، مدينا للأمة الإسلامية بالانتماء إليها.
فما هم هؤلاء المسلمون في إسبانيا؟.
كما قلت: في إسبانيا الآن أعداد كبيرة من المسلمين الإسبان، وبصفة خاصة الأندلسيين؛ لأن ما حدث في جنوب إسبانيا لا يوجد مثيله في غيرها، لا نجد جماعات إسلامية محلية مثلا في قطلونيا، أو في قشتيليا أو في غايسيا Galicia ، أو في مناطق أخرى.
على فكرة؛ إسبانيا الآن مجزأة إلى حوالي سبعة عشر ولاية اتحادية، لكن نجد الجمعيات الإسلامية المحلية فقط في الأندلس، ويوجد المسلمون المهاجرون.
هؤلاء المسلمون المهاجرون بينهم المغاربة – وهم الأكثرية الساحقة فيما يخص الأعداد – وبينهم المشارقة، وأكثرهم من فلسطين ومن سوريا الذين أتوا إلى إسبانيا كطلاب ثم مكثوا فيها، وكانوا هم الأوائل في الستينات. إذ عندما سمح القانون الإسباني بحرية الأديان كانوا هم الأوائل الذين كونوا الجمعيات الإسلامية، أولا كانت تلك الجمعيات جمعيات طلابية في الجامعات، ثم عندما تخرج الطلبة وأصبحوا يعملون في البلاد، وكثيرون منهم تجنسوا بالجنسية الإسبانية، ومنهم من تزوج في البلاد واستقر فيها؛ كونوا جمعيات إسلامية أخذت تؤسس المراكز الإسلامية التي من أهمها: مركزان إسلاميان أحدهما في مدريد والآخر في برشلونا، ومركز في غرناطة وغيرها.
أما المغاربة؛ فقد كونوا وداديات في المدن المهمة التي يتواجدون فيها، وهذه الوداديات – في الحقيقة – تتكون من مركز إسلامي ومركز اجتماعي، وأخذت في هذه السنين تتكاثر، وفي هذه السنة تنظم المغاربة كذلك على مستوى الدولة الإسبانية بأكملها.
عندما اعترفت الحكومة الإسبانية بالإسلام؛ أصبحت هناك مشكلة أساسية بالنسبة للمسلمين، وبالنسبة للدولة الإسبانية، وجب حلها. وهي: أن الدولة الإسبانية لتعطي للمسلمين حقوقهم لا يمكنها أن تتكلم مع عشرة جمعيات مختلفة، ولذلك توجب على المسلمين أن يتوحدوا ويكونوا اتحادا لجميع الجمعيات الإسلامية.
في الحقيقة؛ توجد – كما قلت – ثلاث جمعيات إسلامية تضم جميع المسلمين في إسبانيا، وهي: “الجماعة الإسلامية في الأندلس” التي تضم معظم المسلمين الأندلسيين، والجمعيات العربية الشرقية، وجمعيات المغاربة.
إن توحيد هذه الجمعيات والتنسيق بين جهودها سيكون له ما بعده إن شاء الله، لكي يحصل المسلمون على حقوقهم في إسبانيا، وتلك الحقوق هي: الحصول على نفس المساندة التي تحصل عليها الكنيسة أو يحصل عليها اليهود لتأسيس مراكزهم الإسلامية ومساجدهم وتعليم أبنائهم.
وقد عملنا مع بعض الأخوة على مساعدة إخواننا المسلمين بتعليم الإسلام والدين الإسلامي في مراكزهم الإسلامية، وذلك بإرسال الأئمة، وأكثر من ذلك وأحسن: بإرسال الطلبة الأندلسيين الذين اعتنقوا الإسلام إلى البلاد العربية لتعلم اللغة العربية والدين الإسلامي في البلاد العربية.
ولحد الساعة يوجد طلبة أندلسيون يتعلمون اللغة العربية والإسلام في الجزائر وتونس والأردن، والكويت، والسنة الماضية كانوا هناك في قطر، والسنة المقبلة سيكونون كذلك – إن شاء الله – في المغرب وفي تركيا، وباكستان ومصر، ودول مختلفة، والأمل أن نتمكن من إرسال مئات الطلبة الإسبان المسلمين حتى يعودوا إلى بلادهم ويكونوا النخبة التي تساعد على بناء أمة أندلسية جديدة معاصرة، يكون لها دور في إسبانيا القرن الواحد والعشرين، وتكون الجسر الإنساني والحضاري بين أوروبا وبين العالم الإسلامي حتى يعود الإسلام مرة أخرى في شبه الجزيرة الإيبيرية ذلك الدين الذي يطالب بالأخوة بين الشعوب كلها، ويطالب بحرية العقيدة للجميع، لأن المسلمين عندما حكموا الأندلس لم يضطهدوا يهوديا ولا نصرانيا، بل كانوا هم ضحية الاضطهاد، بل كل المواطنين تحت الحكومة الإسلامية كانوا يحصلون على حقوقهم كاملة.
ولكن عندما أضاع المسلمون الحكم، وأضاعوا قوتهم؛ حدث بهم ما حدث من هذه المآسي!.

أهمية ثقافة “الألخاميادو”:
وقبل أن أنتهي؛ أريد أن أبين بعض النقاط التي ربما يستفاد من تبيينها؛ وهي:
إن الثقافة الألخاميادية وجب علينا كمسلمين الحفاظ عليها وإخراجها من القبر؛ لأن هذه ثقافة إسلامية يتيمة، وقد أنقذت بوجودها في المكتبات الإسبانية، ولكن – مع الأسف الشديد – في البلاد العربية لا يُهتم بها؛ لأنها مكتوبة بالحروف العربية بلغة لا نفهمها، وهي كذلك مهجورة في المكتبات الإسبانية لأنها رغم أنها إسبانية؛ تعبر عن حضارة ليست تلك الحضارة اليهودية المسيحية التي بُنيت عليها الحضارة الأوروبية. ولكن هي حضارة إسلامية.
وقد اشتهر الكثير من الكتاب بتلك اللغة؛ أسماؤهم العربية الإسلامية غير معروفة، ومن عُرف منهم؛ عُرفوا بأسمائهم الإسبانية؛ فمثلا: المنسيبو دي أفيلو، أو: الأمورا دي أوبيد La Mora de Ávilaا، هذه سيدة كانت فقيهة تدور على بيوت المسلمين لتعليم المسلمين وأبنائهم سر المباديء الإسلامية. لامورا دي أفيلا. أفيلا: مدينة، يعني: مسلمة أفيلا.
مثلا: خوان ألونصو أراغونيسJuan Alonso Aragonés. هذا عنده ديوان شعري ضخم، ذو روح إسلامية من الدرجة الأولى، وهو يجادل فيه المسيحيين الذين أجبروه على التنصر، وهذا خوان ألونصو أراغونيس كان من سكان بلنسية، وفي آخر أيامه أُحرق بالنار وأُعدم بسبب كتبه، وقد أنقذ ديوانه، وهو موجود في المكتبات الإسبانية، وطبع مؤخرا. ومنهم: إبراهيم دي بلفاو، و: ماهوما رمضان، وهذا من سرقسطة، من أراغون بالشمال. ومنهم: خوان بيريز، واسمه الإسلامي: علي بيريز. ومنهم: بوي دومونسون.
يعني جيل كلهم مسلمون، كلهم كُتاب، هؤلاء مجاهدون مجهولون لم نعرفهم، جعلوا المسلمين في الأندلس يتمكنون من البقاء على إسلامهم رغم سقوط دولتهم لمدة تزيد على أربعة وخمسة أجيال رغم الاضطهاد المتواصل.
وهنا مرة ثانية؛ أريد أن أقرأ قسما من آخر قصيدة بعث بها المسلمون المتنصرون قهرا، الموريسكيون، إلى السلطان بايزيد العثماني يستغيثون به، أقرأ هنا الأبيات التي تصف وصفا واضحا المعاملة التي عومل بها المسلمون عندما أجبروا على التنصر. يقول هذا الشاعر المجهول، الذي نجهل اسمه:
فلما دخلنا تحت عقد ذمامهم
وخان عهودا كان غرَّنا بها
وكل كتاب كان في أمر ديننا
ولم يتركوا فيها كتابا لمسلم
ومن صام أو صلى، ويُعلم حالُه
ومن لم يجيء منا لموضع كفرهم
ويلطم خديه، ويأخذ ماله
بدا غدرُهم فينا بنقض العزيمتي
ونصَّرَنا كرها بعنف وسطوةِ
ففي النار ألقوه بهزْءٍ وحقْرَةِ
ولا مصحفا يخلَى به في القراءةِ
ففي النار يُلقُوه على كل حالةِ
يعاقبه اللبّاط شر العقوبةِ
ويجعله في السجن في سوء حالةِ

موضع كفرهم: الكنيسة. اللبّاط: الخوري.
ترون أن هذه اللغة ركيكة، هذا آخر ما تبَقى من العربية، وبعد ذلك اندثرت العربية نهائيا؛ لأنهم مُنعوا منها.
وأخيرا؛ أريد أن أقول: إن الأمة الإسلامية أمة واحدة، وما يضر قسما منها يضر الأمة بأكملها، وما يعطي القوة للمسلمين في قطعة من الأرض فهو قوة للمسلمين جميعا، وإذا كانت مصائب المسلمين تكاثرت، وهجوم الأعداء عليها تنوعت، فهذا لا يعني أننا يجب علينا أن نتجه اتجاها واحدا، ولكن النضال والجهاد يجب أن يكون في جميع الاتجاهات، وعلى جميع الأبواب.
وهنا أكرر استنجادا استنجده الوزير الغرناطي لسان الدين ابن الخطيب عندما كانت الدولة الإسلامية لا زالت قائمة في القرن الرابع عشر، هو استنجاد لا زال قائما إلى اليوم، فإذا كان الشباب الأندلسي اليوم في إسبانيا والأندلس يحاول جهده الرجوع للإسلام وتعلم القرآن واللغة العربية، ومسح العار الذي دخله أجداده وكان ضحية له لمدة قرون؛ فمن العار حقا أن تتجاهله الأمة الإسلامية ولا تساعده.
قال لسان الدين ابن الخطيب مستنجدا:
“فقد استغاث الدين فأغيثوه، قد تأكد عهدُ الله وحاشاكم أن تَنْكُثوه، أعينوا إخوانكم بما أمكن من إعانة أعانكم الله عند الشدائد، جددوا عوائد الخير؛ يصلُ الله لكم جميع العوائد، أدركوا رمَق الدين قبل أن يفوت، بادروا عليل الإسلام قبل أن يموت”…
وبهذا أشكركم على حسن إنصاتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأنا تحت أمركم لتوضيح أي نقطة جاءت في كلامي، أو الإجابة – حسب المستطاع – على أي سؤال تفضلتم بإلقائه.

أضف تعليقاً »

رواية “السجينة” إضاءة على مغرب السبعينات والثمانينات

رواية السجينة لمؤلفتها مليكة أفقير عبارة عن سيرة ذاتية تحكي فيها قصة حياتها بحلوها ومرها، قصة حياة امرأة عاشت حياة البذخ والغنى الفاحش والدلال، حياة القصور بكل معانيها: البذخ الترف الوشاية البرتوكولات.

هي بنت الجنرال أوفقير، هذا الإسم الذي كان يثير الرعب في نفوس المغاربة في وقت ما، الرجل القوي في بداية عهد الحسن الثاني، كان وزير الدفاع الذي أمسك بجميع السلط في وقت ما.

تبنى الملك الراحل محمد الخامس مليكة أفقير ، لتعيش رفقة الأميرة أمينة في القصر، فعاشت حياة الأميرات، استفادت من تربية وعناية خاصة شأنها شأن الأميرات، وبعد بلوغها مرحلة المراهقة فضلت الرجوع إلى بيت عائتها لتبدأ مشاورا جديدا في حياتها، وتترك نظام القصور بكل جدرانها وصرامته، وتتم دراستها شأنها شأن العائلات المخملية في الرباط، حيث الرفاهية والحرية المطلقة والأسفار والعلب الليلية.

لكن سوف تقع أحداث عظيمة تغير مسار الكاتبة من الترف والرفاهية إلى السجن والبؤس، كان ذلك بعد أحداث الانقلاب العسكري الفاشل، الذي تورط فيه أبوها الجنرال محمد أوفقير مما كلف حياته، وتم سجن عائلته في أعماق الصحراء المغربية: من أسا إلى أكدز إلى تامتغات، إلى بير جديد قرب الدار البيضاء، حيث عاشت العائلة حياة السجن بكل معانيه وزيادة: معان الذل والقهر، البؤس والأمراض، إضافة إلى الشعور بالظلم لأن الأسرة تعاقب بجريمة الأب لا بجريمتها هي.

وسجون المغرب في ذلك العهد- خاصة سجون المعارضين السياسيين- تثير الذعر والهلع في النفوس، لقد كانوا يحشرون في زنازين تحت الأرض، مثلهم مثل الفئران، لا يعرفون عن العالم شيأ ولا يعرف العالم عنهم شيأ، الداخل إليها مفقود، والخارج منها مولود.

تعلمت السجينة من تجربة السجن الشيء الكثير، وكشفت عن شخصية فريدة صقلتها المعاناة التي اكتوت بنارها وقاومت الموت بأشع صوره، والأمراض الجسمية والنفسية، واستطاعت أن تحافظ على حياتها وحياة عائلتها، فكانت المعلمة لهم، والمربية والأنيسة في الوحدة والغربة… علمتها تجربة السجن أخذ الحذر والحيطة، الصبر والتجلد، التعلق بالحياة وعدم اليأس.

نقلت لنا الرواية حياة القصور وطقوسها: الحريم، الخضوع، البذخ، البروتوكل..، كما نقلت أيضا نمط حياة العائلات المخملية في الرباط: الترف، التحرر، الثقافة الغربية..

حياة السجينة مليئة بالمتناقضات: الترف والبؤس، الحرية والسجن، التقدير والإذلال، الحضارة والبداوة.

دخلت السجن وفي ذهنها مغرب الستينات وبداية السبعينات، وخرجت إلى مغرب التسعينات، وجدت كل شيء تغير، توقفت حياتها داخل السجن فيما حالت عقارب الساعة ستتوقف، فكانت المفاجأة بعد الخروج. أخوها عبد اللطيف كبر في غياهب السجون وعندما خرج انبهر وكأنه كان في عالم آخر غير عالم الكرة الأرضية، قصته ذكرتني بقصة حي بن يقظان.

القارئ للرواية-السيرة الذاتية يقف إجلالا وإكبارا للصمود والمقاومة التي أبدتها السجينة وعائلتها، والعزيمة والإرادة التي استطاعت بهذه وغيرها التغلب على اليأس والأمراض والموت البطيء والتغلب على السجن والسجان وتتويج ذلك بالفرار إلى عالم الحرية، ونقل قضيتها من عتمات السجن إلى الرأي العام الوطني والدولي.

استطاعت السجينة نقل قضيتها للرأي العام والجمعيات الحقوقية، لكنها بتأليفها لهذه الرواية استطاعت التعريف بقضيتها وكسب تعاطف الناس معها بالتألم لألمها والفرح لفرحها، استطاعت أن تصل إلى قلوب الناس عبر هذه الرواية وتتقاسم معهم ما عاشته بحلوه ومره، بعد أن كانت مجرد قضية عند الحقوقيين في المنتديات الدولية.

للكاتبة قدرة هائلة على السرد والحكي واستعادة الماضي بتفاصله، والوقوف عند اللحظات واللقطات المؤثرة، وتوظيفها، ثم السخرية السوداء التي أعطت للرواية نكهة خاصة تنقل القارئ من مأساوية المشهد إلى النكتة والترفيه، كما يقال في المثل المغربي: كثرة الهم تضحك. تعليقها على المشاهد والأحداث ينم عن ثقافة ووعي، وسبر أغوار النفس البشرية، وعن حمل هم قضية العائلة.

اللافت في الرواية وفي حياة آل أوفقير هو تحولهم من الإسلام إلى النصرانية، عللت السجينة ذلك بأن الإسلام لم ينقذها ولم يقدم شيأ لها في محنتها عكس النصرانية، لكن الظاهر هو أن تربيتها على يد النصارى جعلها وعائلتها تتنصر، أمها أيضا تربت على يد الراهبات في المغرب أيام الاحتلال، مربيتها في القصر الملكي كانت ألمانية، تكوينها وثقافتها الفرنسيين، كل ذلك جعلها لا تعرف عن الإسلام إلا الإسم، وعن النصرانية كل شيء.

هذا يحيلنا على حال الأسر البورجوازية والأعيان المغربية التي عايشت الاستعمار وتعايشت مع المستعمر.كان الاحتلال الفرنسي من أسوء أنواع الاحتلال، لأنه احتل العقول العباد قبل البلاد.

الرواية قيمة مضافة إلى الأدب الإنساني والعربي خاصة، لأنها تحكي واقع الإنسان العربي البئيس في ظروف ما يسمى ب: ما بعد الاستقلال والتحرر من الاحتلال.

وها هي المأساة تخرج في المغرب أيضا أدب السجون من رحم المعاناة خرج الإبداع في أبهى صوره.

ترى لولا هذه السجون هل كنا سنقرأ أعمالا أدبية رفيعة ومؤثرة مثل هذه؟ يا لسخرية القدر عندما يحول المأساة إلى إنجاز، والمحنة إلى منحة.

أضف تعليقاً »

الحاجة إلى علم أصول التفسير

تمهيد

القرآن الكريم دستور هذه الأمة ، ومصدر المعرفة والعلم عند المسلمين، وإن العلوم التي أنتجها الفكر الإسلامي منذ النشأة إلى اليوم في شتى المجالات المعرفية والتخصصية لا تخرج عن كونها إما مستنبطة من النص أو خادمة له، فهذه علوم اللغة العربية كان منشؤها والداعي إلى جمعها وتدوينها وتقعيد قواعدها هو حاجة الأمة إلى فهم كتاب ربها .

وإن العلوم الشرعية ما كان لها أن تظهر لولا وجود النص الشرعي بين يدي الأمة، وقد كان القرآن الكريم ولا يزال ملجأ المسلمين، وإليه يهرعون عند اشتداد الأزمات والصراعات الفكرية والسياسية والعسكرية، في إطار التدافع الحضاري للأمة الإسلامية مع غيرها من الأمم.

والمسلمون اليوم يجدون أنفسهم أحوج ما يكونون للعودة إلى القرآن الكريم قراءة وتدبرا واستنباطا، من أجل استئناف السير الحضاري وتقويم ما ظهر من اعوجاج وتحريف في الفهم والسلوك ، باعتبار القرآن الكريم مصدرا مرجعيا في التشريع والمعرفة والأخلاق.

وقد صار التجديد في الدين أمرا ضروريا، بل إنه يفرض نفسه بإلحاح، وإن أي تجديد لابد أن يتوجه إلى تجديد الفهم قبل أي شيء آخر وأولها تجديد فهم كتاب الله تعالى، وإن الأمراض الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية التي ظهرت في الأمة ما هي في الحقيقة إلا أعراضا في فهم الدين، وخاصة في فهم نصوص الشريعة قرآنا وسنة.

فلابد من مراجعة شاملة ونقد الذات نقدا منهجيا جريئا للوقوف على مواطن الخلل في العقل الإسلامي الذي صار لا ينتج فما بالك أن يرسل، وأغلق باب الاجتهاد واكتفى بالتقليد. والبداية يجب أن تكون بعملية الفهم عن الله.

أهمية علم أصول التفسير

تفسير كتاب الله تعالى من أهم القضايا التي تشغل الفكر الإسلامي منذ النشأة إلى اليوم، ذلك أن الأمر يتعلق بالفهم والبيان عن الله تعالى، والاستنباط والتشريع.

وقد كان التفسير أول العلوم نشأة في الفكر الإسلامي، من حيث التدوين والتصنيف والممارسة. ومع تطور العلوم الإسلامية واتساع رقعتها، وكثرة الاشتغال بها، ظهرت الحاجة إلى ضبط العملية التفسيرية، وبدأ البحث عن القواعد والأصول المحكمة التي من شأنها أن تعصم المفسر من الخطأ، وتمنع العبث بالنصوص الشرعية ولي أعناقها، وتضبط عملية الفهم عن الله تعالى، واستنباط الأحكام والحكم الشرعية من مظانها، بحيث تكون قانونا محكما في تفسير النص الشرعي.

ذلك أن كتاب الله تعالى – كما قرره الأصوليون- قطعي الثبوت ظني الدلالة، وظنية الدلالة هذه مأتاها طبيعة القرآن المعجز، ذلك أن منه الواضح أو البين- كما قال الطوفي في الإكسير- الذي تفهمه العرب من لغتها لبيانه ووضوحه. فهذا لا حاجة له إلى تفسير.

ومن القرآن ما هو غير واضح إما لاشتراك أو غرابة أو ظهور تشبيه. و هذا القسم هو المحتاج إلى التفسير و البيان.

الأول أنزله الله تعالى ليتعبد عامة الناس بتطبيقه لوضوحه وبيانه، والثاني أنزله الله لحكم متعددة منها ليتعبد العلماء بالاجتهاد فيه والاستنباط منه، لذلك أثنى الله على العلماء من عباده، و ليتعبد عامة الناس بتقليد العلماء فيما قرروه فيه.[1]

وقد بذل العلماء غاية جهدهم في فهم كتاب الله تعالى،و توجيه الفهم و حمايته من التحريف.

وأخطر تحريف هو تحريف الفهم و التلاعب به. أما تحريف النص القرآني، فهذا مستحيل لتكفل الله تعالى بحفظ كتابه. قال تعالى:” إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون” ( الحجر9).

يقول الإمام ابن القيم في كتابه ” الروح” عند المسألة السابعة: “.. بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد،(..) وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والروافض وسائر طوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس، هو موجب هذه الأفهام، . والذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم عن الله ورسوله فمهجور لا يلتفت إليه ، ولا يرفع هؤلاء به رأسا”.

والذي يدفع إلى تحريف الفهم و التأويل الفاسد هو موقع النص القرآني في أمة الإسلام بكل طوائفها ومذاهبها، إذ النص هو محور الفكر الإسلامي منذ النشأة إلى اليوم، وكل ما أنتجه الفكر الإسلامي لا يعدو أن يكون إما موثقا للنص أو مساعدا على فهمه أو مستنبطا منه.

وقد دأبت الحركات الإصلاحية والتيارات الفكرية على استمداد مشروعيتها من النص، فلا تقبل فكرة أو دعوى ما لم يشهد لها النص بالصلاحية. ولذلك نرى الكل يلوذ بالنص و يلجأ إليه لاستمداد المشروعية.

وهذا ما أعطانا فهوما متعددة للقرآن الكريم قد تصل إلى حد التناقض، حتى قال قاضي البصرة عبيد الله بن الحسن:” كل ما جاء به القرآن حق، ويدل على الاختلاف، فالقول بالقدر صحيح وله أصل في الكتاب، والقول بالإجبار صحيح وله أصل في الكتاب، ومن قال بهذا فهو مصيب، ومن قال بهذا فهو مصيب لأن الآية الواحدة ربما دلت على وجهين مختلفين واحتملت معنيين متضادين.”[2]

والذي جعل مثل هذه الفهوم تكثر و تتعدد إلى حد الفوضى وضياع الحقيقة الشرعية  بين أهل الأهواء والضلالات هو عدم وجود أصول وقواعد للتفسير  تضبط الفهم عن الله تعالى، و هذا ما جعل  إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل  يقول: ثلاثة لا أصل لها منها التفسير، و إن كان يقصد من حيث السند. و قال ابن تيمية:” إن الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين والباطل الواضح والحق المبين “[3] .

فمثلا الحديث له أصول  تضبط نقله، وأن كل المحاولات التي أرادت العبث بالسنة باءت بالفشل.

و كذلك الفقه له أصوله التي تضبط عملية الاستنباط و التشريع.

لكن التفسير بقي بلا أصول ولا قواعد تضبط وتحكم العملية التفسيرية، حتى إن البعض نزع عنه صفة العلمية، وقال إنه لم يرتق بعد إلى مستوى العلم، بمعنى أنه يفتقر إلى الجانب التنظيري التأطيري، فبقي مجال فوضى.

وقد وقف الإمام الطوفي على إشكال علم التفسير فقال:” إنه لم يزل يتلجلج في صدري إشكال علم التفسير وما أطبق عليه أصحاب التفاسير، ولم أجد أحدا منهم كشفه في ما ألفه ولا نحاه في ما نحاه ، فتقاضتني النفس الطالبة للتحقيق الناكبة عن جمر الطريق لوضع قانون يعول عليه ويصار في هذا الفن إليه “[4] إلا أنه لم  يفعل

وليته فعل. لأنه اكتفى بالتنبيه إلى الإشكال في مقدمة كتابه الإكسير، أما بقية مباحث الكتاب فهي مباحث بلاغية. ونفس الكلام يقال بالنسبة للكافيجي في كتابه “التيسير في قواعد التفسير”.

وفي عصرنا الحالي هناك محاولات لاستئناف ما بدأه الأسلاف، خاصة أن الحاجة اشتدت لعلم ضابط لفهم وتلقي أحكام وحكم القرآن الكريم، خاصة في عصر الغزو الفكري والاستشراق ثم القراءات الجديدة للنص القرآني، نجد الباحثين المعاصرين أحسوا بالحاجة ونبهوا إلى أهمية وجود علم أصول التفسير.

مصادر علم أصول التفسير

وفي محاولة منهم لبناء أصول و قواعد علم التفسير أشار الدارسون المعاصرون إلى أن مباحث هذا العلم مبثوثة في علوم شرعية متنوعة منها علم أصول الفقه و التفسير و اللغة العربية.

فعلم أصول الفقه مؤهل لضبط العملية التفسيرية، على اعتبار أنه علم محكم البناء  من حيث مصطلحاته وقواعده و مناهجه، و أن الأساس الذي بني عليه من حيث التدوين والتصنيف، إنما هو حل لمشكلة الفهم اللغوي الخاص، للدليل الشرعي. سواء من حيث مقاصده الدلالية، أو متعارضاته الإشكالية. [5]

كما أنه امتاز بضبط قواعد الدلالة: حاصرا طرقها: منطوقا و مفهوما، و مرتبا مراتبها: نصا وظهورا وإجمالا، ومفصلا  فيما يتصل بالأحكام من وجوهها: الأمر و النهي، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، و محددا شروط التأويل و قواعد الترجيح[6].

وقد أكد السكاكي في مفتاح العلوم على أن علم أصول الفقه و البلاغة مؤهلين لضبط العملية التفسيرية، حيث قال:” ولله در التنزيل، لا يتأمل العالم آية إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر… لأن المقصود لم يكن مجرد الإرشاد لكيفية اجتناء ثمرات علمي المعاني و البيان، و أن لا علم في باب التفسير بعد علم الأصول أقرأ منهما على المرء لمراد الله من كلامه.[7]

ويبقى أن نشير إلى أهمية المدرسة المقاصدية في بناء هذا العلم، على اعتبار  أن علم المقاصد خرج من رحم علم الأصول ويمثل قمة نضجه، نبحث في هذه المدرسة كيف توصل علماء المقاصد إلى تلك المقاصد؟ وما هي المنهجية المتبعة في عملية التقصيد؟ لأنهم انطلقوا من لفظ الشارع للوصول إلى مقاصده، وما هي ضوابط وقواعد التقصيد؟

أما اللغة العربية فلأن النص القرآني هو نص لغوي، و أن الله عز وجل خاطب العرب بلسانهم وعلى معهودهم في التخاطب والكلام. وأن علماء العربية و هم يقعدون قواعد النحو و الإعراب كان في حسبانهم تحدي فهم الخطاب الشرعي خاصة مع ظهور اللحن الصوتي و الصرفي و أيضا المفهومي في ظل اتساع الرقعة الإسلامية و دخول أمم أعجمية في الإسلام.  وقل نفس الأمر في نشوء علم البلاغة إذ كان تحدي الإعجاز القرآني حاضرا في أذهانهم. فتحدي فهم و بيان عن معاني و أسرار القرآن الكريم كان حاضرا منذ زمن التأسيس و التقعيد اللغوي.

وإن النص  – أي نص – هو بناء لغوي قائم على قواعد اللغة و نظامها، مما يعطي  للتحليل اللغوي أهميته في الكشف عن المعنى….لهذا فقد عد العلماء علوم اللغة أول العلوم التي يحتاج إليها مفسر القرآن.. بل جزم الكافيجي بأن قواعد التفسير” مكتسبة من تتبع لغة العرب”[8]

و المقصود باللغة جميع مستويات الدرس اللغوي العربي:” كالأصوات، و الصرف، و النحو” …إذ إنها مجتمعة تكون أداة التحليل اللغوية الكبرى، ذلك أن هذه المستويات ترى منفصلة من حيث الصناعة، لأغراض منهجية فقط في حين أنها تكون في مجملها الوسيلة الناجحة الكبرى لتحليل النصوص ..”[9]

أما ما في كتب التفاسير، فالمقصود بها القواعد التي يضعها المفسر و هو يمارس عملية التفسير في محاولة للتأصيل لمفهوم يريد تأصيله، أو في نقده لتفسير اختل فيه ضابط من الضوابط، أو في مجالات أخرى.[10] ففي كتب التفاسير نجد الجانب التطبيقي لقواعد وأصول التفسير، عكس ما نجده في كتب الأصول واللغة والذي هو الجانب النظري.

 

خلاصة

ويمكن أن نقول إن هذه العلوم تحتوي على مباحث و قواعد لعلم أصول التفسير، لكن تحتاج إلى بناء نظري ناظم يحدد وينظم العلاقة بين مكوناته، متى و كيف نعمل هذه القاعدة أو هذا الأصل و ما هي مستويات ذلك؟ و هل كل القواعد على مستوى واحد في الكفاية التفسيرية؟…أي فلسفة علم التفسير، ليرتقي إلى مستوى العلوم الناضجة من حيث المصطلحات و القواعد و المناهج.

إن هذا الخيط الناظم كفيل بإعادة العقل الإسلامي إلى رشده في التعامل مع نصوص الوحي، وبناء علم أصول التفسير يكفينا هم العبث بالنصوص الشرعية و لي أعناقها، كما يضبط لنا عملية الفهم عن الله تعالى و استنباط الأحكام الشرعية من مظانها، فيجيبنا علم أصول التفسير عن السؤال العلمي: كيف دلك هذا اللفظ أو هذا النص على هذا المعنى أو هذا الحكم؟  و قس على ذلك من القضايا والمستجدات الطارئة على الفكر الإسلامي اليوم، كمسألة السنن التاريخية  والاجتماعية في القرآن الكريم، و قضايا التشريع الجنائي، و النوازل الفقهية في الطب وقيم المحافظة على البيئة، و غير ذلك..

وهذا من شأنه أن يعيد للنص الشرعي مركزيته في حياة المسلمين، باعتباره منطلقا ومرجعا، في العلم والحضارة والاجتماع والسياسة والاقتصاد..، وهذا من شأنه أيضا أن يعيد الأمة من جديد إلى الريادة والقيادة الحضارية بين الأمم.
[1]  الإكسير في علم التفسير للطوفي ص33 و ما بعدها

[2]  تأويل مختلف الحديث لإبن قتيبة ص 55

[3]  مقدمة في أصول التفسير ص33

[4]  الإكسير في علم التفسير للطوفي ص 27

[5]  المصطلح الأصولي د فربد الأنصاري ص124/425 بتصرف

[6]  التفسير اللغوي للقرآن الكريم، الشيخ الحافظ، ص 96

[7]  مفتاح العلوم للسكاكي ص 421

[8]  نفس المرجع ص 7/8 بتصرف

[9]   تحليل النصوص: المفهوم و الضوابط. د حسين كنوان  مجلة التسامح ع 11 السنة الثالثة  ص134

[10]  نفس المرجع الساق ص 19

أضف تعليقاً »

التعريف بكتابّ مفردات ألفاظ القرآن ل” لأصفهاني

مضمون الكتاب

  الكتاب يقع في مجلد واحد من الحجم الكبير, عدد صفحاته 728 صفحة.

تجد في بدايته مقدمة المحقق، تحدث فيها عن أهمية اللغة العربية التي هي وعاء التراث العربي الإسلامي، وتكلم عن موضوع التحقيق بإيجاز وزعن قيمته العلمية ثم عرف بالمؤلف وآثاره الفكرية، وأخيرا تحدث عن طريقته ومنهجه في التحقيق.

بعد مقدمة المحقق تجد مقدمة المؤلف تكلم فيها عن عظمة القرآن الكريم وأنه مصدر النور والهداية، لكن ليس كل الناس مؤهلون للنهل من معينه الذي لا ينضب، بل لابد من صفاء القلب ونقاوة النفس من كل الأمراض، ثم نبه إلى أن أول ما يحتاج إليه من علوم القرآن هو العلوم اللفظية، التي ترتكز على تحقيق الألفاظ المفردة، وهذه الأخيرة هي ما يعين على فهم القرآن، بعد ذلك تحدث عن منهجه في تأليف الكتاب لكن باقتضاب شديد.

الكتاب لا يحتوي على فصول، ولا مباحث كما عهدنا في باقي الكتب الأخرى، وإنما نوعية الكتاب معجمية لذلك تجد بعد المقدمة مباشرة باب حرف الألف، وتدخل تحته كل المفردات التي تبتديء بحرف الألف. بعد ذلك تجد حرف الباء، وهكذا إلى آخر حرف من الحروف الهجائية.

بعد ذلك تجد التحقيقات الفنية التي قام بها المؤلف.فجاء الكتاب بسبعمائة وثمانية وعشرون صفحة منها خمسمائة وثمانية وسبعون صفحة للمعجم والباقي خصصت للتحقيقات الفنية، ثم ذيله بفهرس.

مصادر الكتاب:

الذي يظهر من خلال تصفح و قراءة الكتاب أن مراجعه بالأساس اللغة العربية خاصة ما كان منها نظما فيأتي به شاهدا على المعنى الذي ساقه المؤلف, ثم أقوال الصحابة والتابعين و بعض المفسرين و إن لم يذكر أسماءهم, وكثيرا ما يورد القول بصيغة التمريض وفي استعمالها عند العلماء إشارة إلى عدم الرضا و الاطمئنان بصحة ما أوردوه.

و في مجال اللغة أخذ بنسبة كبيرة عن أحمدا بن خليل الفراهدي و بأقل منها عن سيبويه.

ملاحظات حول الكتاب:

الذي يلاحظ على الكتاب أن الكاتب قليلا ما يسند الأقوال إلى أصحابها و لعله لا يطمئن إلى ما ذهب إليه أصحاب تلك الأقوال. و أيضا لا يوثق و لا يذكر سلسلة السند في الأحاديث النبوية و أقوال الصحابة و التابعين و لو ذكر ذلك لكان أفضل . وهذا الأمر ينطبق كذلك على عمل المحقق الذي لم يخرج الأحاديث أ يتأكد من صحتها أو يذكر الشعراء المستشهد بشعرهم و هذا العمل نجده عند بعض المحققين عند تحقيقهم الكتب.

الذي يلاحظ على المؤلف هو تأثير عقيدته عليه عند تفسير آيات الصفات خاصة, فقد أول صفة الاستواء بالاستيلاء و المجيء بمجيء أمر الله و ليس بذاته,كما في الاستهزاء و اليد  ,و الذي يبدو أنه أشعري العقيدة و الله أعلم.

كان أحرى به أن ينطلق من اللفظة القرآنية ومدلولاتها اللغوية لا أن يصرفها عن معناها الظاهر لتوافق ما اعتقده قبل.

ويلاحظ عليه أنه يدرج بعض الأسماء الأعجمية تحت أكثر من جذر، ك”جالوت” أورده تحت جذري”جلت”و”جال ” في آن واحد.

ويلحق بعض الجذور بغيرها، وكان الأجدر فصلها وقد فعل المحقق ذلك(أنظر مقدمة المحقق).

وهذه الملاحظات لا تنقص من قيمة الكتاب العلمية وأهميته في المكتبة التفسيرية.

 

 القيمة العلمية للكتاب:

للكتاب قيمة علمية كبيرة تتجلى في اهتدائه إلى مفاتح النص القرآني، وهي مفردات الألفاظ التي لا يستغني عنها مشتغل بكتاب الله تعالى، فامتلاك المفاتيح وضبطها يسهل عملية الولوج ومن دخل في كتاب اله بعقله وفكره اهتدى، ومن اهتدى عاش حياة طيبة ملؤها السعادة والهناء، وهذه هي الطريقة الوحيدة الأسلم والأيسر لفهم كتاب الله تعالى، وهي الخطوة الأولى واللبنة الأساس التي لايمكن الاستغناء عنها، والا يكون الواحد منا يدور حول النص وهو يظن أنه يغوص في أعماقه.

ثم تتجلى كذلك في طريقة ترتيبه الألفبائي- فاء الفعل ثم عينه ثم لامه. اهتدى إلى هذه الطريقة وهو في نهاية القرن الخامس وبداية السادس الهجري، أي في وقت مبكر جدا، وهي الطريقة المعتمدة حاليا في القرن الخامس عشر الهجري. فهذا سبق علمي كبير إن دل على شيء فإنما يدل على علو الراغب –’- في مجال التصنيف والتأليف، وهي طريقة تسهل على القارئ البحث عن مفردات الألفاظ القرآنية، ومعرفة معانيها بيسر وسهولة.

كما تتجلى أيضا في شرحه لمفردات ألفاظ القرآن شرحا يفي بالغرض من غير إفراط أو تفريط، بحسب سياقها في الآية. ولاغرو فالرجل خبير باللغة العربية وفنون استعمالها عند العرب. كما أن له مصاحبة طويلة لكتاب الله تعالى، ظهر هذا جليا في شرحه لألفاظ القرآن. ومن خلال كتبه التي ألفها. وله إلمام بعلم الفقه وأصوله، وعلم القراءات.يوظف كل مالديه من امكانات علمية في شرحه للألفاظ القرآنية.  

ولهذا تبدو شخصيته العلمية حاضرة بقوة في الشرح اللغوي وتوجيه الفهم. وفي المنهجية التي اتبعها.وهو في هذا مبدع رائد غير مسبوق.

وهذا الكتاب موجه لعموم الناس بإمكانهم أن يستفيدوا منه، غير مقتصر على الخاصة فقط كما هو حال بعض الكتب الأخرى.

والمصنف أقرب إلى التفسير منه إلى المعجم.

أضف تعليقاً »

ويابى البحر…

اتجهتُ نحو الشمال، اخترقتُ جبال الريف، وصلتُ إلى طنجة، أمشي في شوارعها مطأطئ الرأس. كلما اقتربت من أوروبا، زادت معاناتي، أحس بشيء يجرني إلى الوراء، يحاول منعي من المضي، منظر غريب. كنت أتقدم إلى الأمام، لكن تفكيري، ووجداني بقيا مع الأهل، رفضا فراق الأحبة. أمشي في الطريق بين حشود من الناس في ازدحام الشارع، ولكنني رغم ذلك وحيد، غريب، خطواتي بطيئة، رجلي مثقلة علي..في حيرة مع نفسي.وصلت إلى الشاطئ، على مشارف البحر التفت وها أنذا اللحظةَ أفارق بلادي، أرحل عنها، أتركها، صعب عليَّ ذلك؛ لا أطيقه.

    أأرحل عن وطن فيه ولدت وكبرت، قضيت فيه أحلى الساعات بين الأهل والأحباب تحت رحمــة الأب وعطـف الأم الحنــون؟ لماذا يا نفس تهجرين مجتمعاً تقاليده وعقائده تجري مجرى الدم في جسمك، عشت فيه حتى أصبح جزءاً منكِ وأصبحتِ جزءاً منه؟

    ردت نفسي قائلة: أنا أيضاً لم أشأ هجران وطني، صحيح هو جزء مني؛ فأنا لم أُريد الانسلاخ عنه، لكنه أبى أن يحتضنني، أبى أن يوفر لي لقمة عيش، بخل عليَّ بعيش زهيد…

     درست على حتى حصلت على أعلى الشهادات في بلادي، ثم طرقت كل أبواب العمل، طرقت كل باب يمكنني من خلاله أن أخدم وطني، ويوفر لي كسرة خبز.. للأسف لم أجد ولو باباً واحداً مفتوحاً في وجهي، أجلس بين أقراني وأصحابي أحسّ بالنقص؛ لأنني معطل، أبي وأمي وإخوتي الصغار ينظرون إليَّ، فأقرأ في أعينهم الحاجة وواقع حالهم يقول لي: أنقذنا من غول الفقر.

وجدتُ حجتها أقوى من حجتي فاقتنعت بالرّحيل.

    امتطيت القارب، تناولت مِجدافيه، وجَّهته قِبَل الشمال، واستدبرت الجنوب. كانت الشمس في مغربها تستعد لتودعنا، والليل يتأهب ليرخي سدوله ويغطينا بظلام قاتم.. غابت الشمس، وحلّ الظلام؛ لكن القمر وعلى خلاف عادته لم يظهر..

    ركبت القارب وسرت فوق موجات البحر أشق طريقي نحو الحلم، شيئاً فشيئاً أبتعد عن بلادي، لم أعد أرى أضواء طنجة.. أصارع أمواج البحر مع ظلمات الليل الحالك.

    يا للأسف! هاج البحر، أمواجه تتقاذفني، فأحاول السيطرة على القارب، وأُمسك جيداً بمجدافيه لكن دون جدوى. الأمر أعظم مما كنت أتوقع.. أصبحت في خطر حقيقي، حركات البحر غير عادية، شعرت بالموت يهاجمني من كل جانب وأنا أقاومه وحدي. يا إلهي! يا إلهي! وأخيراً تمكنت من رفع سبابتي نحو السماء فنطقت بالشهادتين، ليضمني البحر في أعماقه بين ذراعيه، ويقول لي: اضطررتُ لأمنعك من السير إلى الجحيم الذي احترق به أسلافك من الأندلسيين والأواخر من المهاجرين الذين هم الآن يحترقون.

   قال لي: اسألني! أنا الذي شاهدت مآسي الأندلس، ومحاكم التفتيش، ولا زلت أشاهد معاناة المهاجرين في أوروبا وهم يكتوون بنار الوحدة والغربة، والعنصرية التي يمارسها المستكبرون في الأرض.

ويأبى البحر أن تتكرر المأساة

أضف تعليقاً »

كن ربانيا ولا تكن رمضانيا

يلاحظ المرء إقبالا كبيرا للناس على العبادة في شهر رمضان، وهذا شيء جميل، وهذا دليل على بقاء الخير في هذه الأمة العظيمة، حيث يغتنم المسلم النفحات الربانية وأوقات تنزل الرحمات الربانية، ويعظم الأجر والثواب، وهذا ولله الحمد يفرح القلب، فشهر رمضان، شهر البركاتوالخيرات، شهر العبادة والتقرب إلى الله..

   وهو شهر تفتح فيه أبواب الخيرات وتصفدالشياطين وينادي يا باغي الخير أقبل ويا باغي  الشر أقصر, وفيه يقبل الناس على العبادة بشكل منقطع النظير فتمتلئ المساجدعن آخرها، والذي لا يحافظ على الصلاة تجده في رمضان يحافظ عليها  في أوقاتها، بل ويحافظ على صلاة الفجر جماعةأيضا.

   ويتلى القرآن أناء الليل وأطراف النهار، وأينما ذهبت تسمع القرآن يتلىفي المنازل والمحلات التجارية والحافلات وسيارات الأجرة..

  وفيه تغيب عادات قبيحة، فالذي يدخن يحاولأن ينقطع عن التدخين خلال هذا الشهر الأبرك، وقس علىذلك

  للأسف الشديد تغيب هذه الحماسة للتدين،ويفتر الناس بعد رمضان، ويعود كل واحد لعاداته القديمة.

لست أدري لماذا؟

  هل الصلاة واجبة في رمضان فقط؟ وأن قراءةالقرآن يؤجر عليها في رمضان فقط؟ والإقبال على الدروس والبرامج الدينية يكون فيرمضان فقط؟

  بعض الناس البسطاء يظن أن لا صوم بدونصلاة، لذلك ترى حتى الذي لا يصلي يحافظ عليها في رمضان!

  وبعضهم يجعل مواسم للعبادة، فشهر رمضانموسم عبادة والتقرب إلى الله، لكن بعد انقضاء رمضان يوقف الصلاة وأعمال الطاعات إلىموسم آخر!

حتى أصحاب الحانات –عندنا في المغرب- تغلقأبوابها قبيل رمضان بقليل. وكأن الخمر حرام في رمضان حلال في باقيالشهور!

  بعض الظرفاء يطلق على أمثال هؤلاء لقب: عباد رمضانأي يعبدون الله في رمضان فقط، وهناك من يتهكم عليهمفيجعلهم يعبدون شهر رمضان لذاته.

  وهنا تحضرني قولة أبي بكر رضي الله عنه عندوفاة النبي صلى الله عليه وسلم: ” أيها الناس من كان يعبد محمدا فمحمدا قد مات ومنكان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”. وكذلك نقول : أيها الناس من كان يعبد رمضانفرمضان قد انقضى ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

  الله سبحانه وتعالى شرع لنا أعمال الطاعاتوالعبادات على طول العام، لنكون على اتصال دائم به سبحانه وتعالى. نستحضر خشيتهوخوفه ومراقبته في حياتنا كلها، لتستقيمحياتنا على الشرع بما يجلب لنا رضا الله تعالى، ويحقق لنا السعادة في الدنياوالآخرة.

   وخير الأعمال أدومها وإن قل. ويقول تعالى: ” واعبد ربك حتى يأتيك اليقين” واليقين هنا هو الموت، أي اعبد ربك واستمر على تلكالعبادة إلى أن يتوفاك الأجل وأنت على ذلك الحال. وقال العلماء في قوله تعالى:” ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون”، أي كن مسلما طول حياتك حتى إذا جاء الموت تموت على دينالإسلام.

  والمطلوب من المسلمين هو الحفاظ على أداء الفرائض، والاجتهاد في النوافل، والامتناع عن المنكرات والعادات السيئة في باقي شهور السنة، إذ إن شهر رمضان محطة تزود يتزود فيها المسلم من الطاعات وتقوية الإيمان والتقوى، ليستمر على نفس الخط التعبدي في طريق السير إلى الله تعالى حتى يلقاه وهو عليه راض. وبه يكون قد استفاد من صيام رمضان وتحقق من مقاصد الصيام والتي من جملتها وكبح جماح النفس وإرغامها على اتباع شرع الله، حتى يكون المسلم عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا.

 

أضف تعليقاً »

حينما تتحول المناسبات الدينية إلى مواسم للفاحشة

ذكرى مولد النبوي، ذكرى جميلة يتذكر فيها المسلمون مولد النبي محمد صلى الله وسلم، الذي أرسله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.و هذه الذكرى مناسبة عظيمة للوقوف على أخلاق النبي ،صلى الله عليه و سلم، و محاولة الاقتداء به. و التعرف على جوانب مشرقة من حياته صلى الله عليه و سلم. كيف لا و قد كان قرآنا يمشي على الأرض، صلى الله عليه و سلم .

*****

لكن الغريب أن هذه الذكرى تخلد يوم 12 ربيع الأول، و هو اليوم الذي مات فيه النبي صلى الله عليه و سلم، اتفاقا بين المؤرخين و أصحاب السير، أما يوم ولادته صلى الله عليه و سلم فمختلف فيه بين أصحاب السير و المؤرخين، منهم من يقول إنه ولد يوم 9 ربيع الأول و منه من يقول غير ذلك. و قيل إن أول من أحدث هذه المناسبة حتى صارت عيدا من الأعياد الدينية هو يهودي الأصل و أن قصده من ذلك هو الشماتة و النكاية، ما دام أن المتفق عليه هو يوم الوفاة و ليس يوم الولادة.و أن ذلك كان في عهد الفاطميين،و كان ذلك وفق طقوس معينة فيها كثير من البدع. و مع تطور الزمن تطورت هذه البدعة التي تمارس في هذا اليوم، حتى صرنا اليوم نشاهد ممارسات فيها شرك بالله تعالى، و فسوق، بل و شذوذ أيضا.فما نشاهده اليوم في الموسم الذي يقام  على ضريح الهادي بنعيسى بمدينة مكناس المغربية، خير دليل على ما نقول.

*****

فأغلب الناس يحضرون من ضواحي مدينة مكناس،و أغلبهم من عامة الناس و جهالهم. تجد بعضهم يستجدي القبور الموجودة هناك، فالتي لا تلد تطلب من القبور و الأضرحة الذرية، و التي طال عليها الأمد و لم تتزوج تطلب من الأضرحة زوج،- و أنا أيضا أعزب لو تأكد لي أن الهادي بنعيسى يزوج العزاب لجربت حظي بدوري- و من تريد أن تسحر زوجها لكي يطيعها أو يحبها أو يعود إليها تجد ضالتها في هذا المكان في هذا الموسم. أما المشعوذون  و الدجالين و العرفين فحدث عنهم و لا حرج.و مستوى آخر هو أقرب إلى الطقوس الوثنية، حيث يصل بعضهم إلى مستوى فقدان الوعي فيقومون بممارسات لا تمد للعقل أو الدين بصلة.ّ إذ منهم من يفترسون عنزا أسودا حيا، و منهم من يكوي جسده بالنار، ومنهم من يطعن جسده بالسكين.. بالإضافة تقديم قرابين لهذه الأضرحة و غيرها.

*****

و أغرب من ذلك كله هو أن مثل هذه المناسبات الدينية أصبحت مواسم لممارسة الفاحشة   و الشذوذ الجنسي، و أجدني أستحيي من ذكر نماذج لما يقع من صور الزنى و اللواط، بكل من المقبرة التي توجد خلف ضريح الهادي بنعيسى، و منطقة سيدي علي بضواحي مكناس. كل ذلك يقع أمام أعين السلطات المحلية، و لا أحد يحرك ساكنا.

*****

فهل هكذا يحتفل بذكرى المولد النبوي؟ و هل كان يفعل النبي، صلى الله عليه و سلم، مثل هذه الأفعال؟ بل هل ثبت عن النبي، صلى الله عليه و سلم، الاحتفال بهذه الذكرى. أم أنها بدعة ما أنزل الله بها من سلطان؟ و هل تحول المناسبات الدينية لممارسة الفاحشة و الشذوذ الجنسي  باسم الدين؟

 و إني أطالب الجهات الرسمية لوضع حد لهذه الممارسات اللأخلاقية، و أن تتحمل مسؤوليتها أمام الناس و أمام الله تعالى.

أضف تعليقاً »

الأمة ….والحاجة إلى الإصلاح

الإصلاح وظيفة الأنبياء والرسل، أرسلهم الله إلى الناس على فترة من الزمن، كلما ظهر الفساد في الأرض، كلما عبد الناس إلها غير الله الخالق الرازق…إلا وأرسل الله نبيا أو رسولا ليصلح ما أفسده الناس. بدء من نوح إلى محمد مرورا بجميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كل منهم يلخص مهمته في الأرض في قوله تعالى:

{ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }هود88 .

ولولا فعل الإصلاح ووجود مصلحين بين الناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ما بقي على الأرض مخلوقا، ذلك أن انعدام المصلحين وسيادة المفسدين يوجب الدمار والهلاك الإلهي، وما الهلاك الذي أصاب أقواما سابقين إلا بسبب إفسادهم: قوم نوح، قوم عاد، قوم لوط، قوم فرعون…. كل أولئك ما كان ليصيبهم ما أصابهم لو أنهم أصلحوا واتبعوا المرسلين.

وإن الناظر إلى واقعنا المعاصر يجد أن الفساد قد استشرى وانتشر في كل مجالات الحياة: الاعتقادية ، السياسية، الاجتماعية والأخلاقية.. وإن الظلم والطغيان لتشم رائحتهما من بعيد، وحال الأمة لا يخفى على أحد فالأمية والجهل في ارتفاع، الحاجة والفقر في ازدياد، الناس في ابتعاد عن دين الله، الربا والزنا والخمر في تصاعد، والأخطر من ذلك هو هذا النكوص والانحراف في الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهذا التبديل لخلق الله {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }الروم30

فالفطرة خلق الله، وتغييرها تغيير لخلق الله، تغيير خلق الله يكون بتغيير خلقة المخلوق، كتبتيك آذان الأنعام وبعض عمليات التجميل التي ترمي إلى تغيير صورة الإنسان الأصلية.

وهناك تغيير آخر لخلق الله وهو أخطر هو تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها، مثل الشذوذ الجنسي، وعبادة الشيطان…الزوجية سنة من سنن الله عز وجل، الله خلق الذكر وخلق الأنثى وجعل بينهما تجاوبا وتكاملا في الجسم والوظيفة.. في كل شيء{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى }آل عمران36. لسعادة الإنسان واستمرار الحياة على وجه الأرض. وما ظهر اليوم من تغيير لهذه الفطرة، وصار ينتشر بسرعة مهولة بين المسلمين- ولا حول ولا قوة إلا بالله- ينذر بشر قادم.

والخطير هو أن هذا الانحراف في الفطرة له أشياع وأتباع يدافعون عنه في المحافل الدولية، ويشرعون له قوانين تحميه، فيعطونه الشرعية، وأصحابه يصبحون مواطنين صالحين- زعموا- ما داموا يحترمون القوانين. ونفس الضغوط تمارس على الأنظمة العربية للاعتراف بهذه القوانين، خاصة المنظمات الحقوقية العالمية، مثلما حصل مع ” حقوق المرأة” بدعوى المساواة ومحاربة التمييز ضدها.

الأمة الآن أحوج ما تكون إلى إصلاح حالها، وإلى مصلحين مخلصين أكفاء ينتشلونها من براثين التخلف والتبعية، والانحراف العقدي والأخلاقي… لتعود إلى إلى حالها الطبيعي وهو قيادة العالم، وتؤدي وظيفتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشهادة على الناس، يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}البقرة143 ” وسطا” أي خيار عدولا، كما قال المفسرون، و”شهداء على الناس” أنهم على الباطل، باتباعكم الحق وإعمار الأرض وإقامة العدل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبذلك تتحقق الخيرية: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}آل عمران110، وحال الأمة اليوم أبعد ما تكون عن ذلك.

ولقد مرت بالعالم الإسلامي تجارب إصلاحية كثيرة، منها من نجحت ومنها من فشلت، وأعتقد أن التي نجحت في مهمة الإصلاح، ما كان لها لتنجح إلا بأخذها من القرآن الكريم، النبع الصافي والمورد الذي لا ينقضي، والتي فشلت فبابتعادها عن القرآن الكريم، وفي تاريخنا المعاصر هناك تجارب عديدة حاولت أن تصلح لكنها فشلت لأنها تركت القرآن جانبا، وسلكت سبيلا آخر.

وبعدما وصلت إليه الأمة الآن، وبعد فشل كل من الخيارين: الاشتراك والليبرالي، وفشل كل العلمانيين، تكون الفرصة سانحة لأصحاب الأيادي المتوضئة أن تبادر وتنطلق من القرآن الكريم الذي أنزل إلى الناس كافة ليخرجهم من الظلمات إلى النور ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

الأمة اليوم في حاجة إلى مصلحين ربانيين، أمناء أقوياء، يفعلون ما يقولون، ولا تغريهم مصالح دنيوية، ولا مناصب برلمانية…همهم الدعوة إلى الله وإصلاح ما أفسده الناس. فمن يرفع للإصلاح راية، ويكون للمتقين إماما.

أضف تعليقاً »

حديث العزاب

في ليلة من ليالي الصيف خرجت من البيت أتلمس بعض الرطوبة بعد أن ضاق علي البيت حرارة، فسرت أتجول في الأزقة أتحسس اعتدال الجو وأستنشق نسيم الليل الهادئ، سحرني سكون الليل وجرني إليه جرا، فحدثتني نفسي أن أقرع عالمه وأنهل من مستودع أسراره.

شغلتني نفسي بخواطرها ولم أعي إلى أين أنا ذاهب، إلى أن وجدتني أمام حديقة مزهرة، فيها شباب يتسامرون، تناثرت حلقهم في أطرافها، ويا لها من حلق، الشباب أشخاصها، فما أظنك يا صاحبي تخالفني أن موضوع حديثهم هو…

جرني فضولي للجلوس بقرب إحدى حلقهم أسترق السمع، اقتربت منهم وهم جلوس وكأن على رؤوسهم الطير، لا يلتفتون يمنة ولا يسرة، مشدوهين إلى المتكلم كأنهم يسمعون بقلوبهم ووجدانهم لا بآذانهم فقط، ألقوا السمع وهم شهود، أيقنت حينها مدى تفاعلهم مع الموضوع وأن المتكلم وضع يده على جرحهم جميعا، الفرد منهم يقول كأنما تتحدث عن معاناتي وتجاربي أنا، والآخر يقول: درك لله يا هذا كأنك اطلعت على أسراري وخواطر نفسي، والثالث يقول..

*****

فما كان حديثه يا ترى:

لم يهدأ لي بال, و لم أسترح من صورة تهاجمني في مخيلتي منذ أن رأيتها في الشارع, إذ رأيت أحد أصدقائي  يتجول مع زوجته – وهما حديثي العهد بالزواج- و قد أضفي عليهما من الروعة و الجمال ما يستعصى على لساني و صفه, و لست أدري أهي حقيقة ثابتة, أم أن سلطان شهوة حب النساء ثم الحرمان هما اللذان جعلاني أنظر إليهما هذه النظرة ، نعم رأيت رجلا منتصب القامة مرفوع الهامة يمشي بين الناس مشية المتبختر ، مشية من جمعت له الدنيا من أطرافها ، أو هكذا خيل إلي  ، كيف لا وبجانبه امرأة حسناء تحوطه من كل جانب ، وترد عنه نظرة خائنة الأعين ، وتطرد عنه هواجس الشيطان ، فهي كالمغناطيس فيها خاصيتي الجذب و الدفع  ، جاذبة له من حيت كونها أنثى ، والذكر إلى ما في أنثى ميال : يميل إلى نعومة جسدها ، ورقيق إحساسها ، ولطافة حركتها ، وأنس حديثها .

ودافعة عنه من حيث كونها زوجة فهي تصون رجولته ، وتغض بصره وتحصن فرجه، وترويه من معين أنوثتها ما يطرد كل وساوس الإنس والجن عن خاطره ، وتفيض عليه من حبها ما يجعله يدور في فلكها ولا يلتفت إلى غيرها .

  من معاني الأنوثة هته يستمد هو قوته وفحولته ورجولته .

بجانبه امرأة لينة رقيقة ، لطيفة ، فهذا يعني في قاموس الرجال أن يكون قويا ، شجاعا .. أن يكون رجلا . وصدق من قال: “وراء كل رجل عظيم امرأة ” .

والمرأة تنفخ في الرجل معاني الذكورة، والرجل أيضا يبعث في المرأة معاني الأنوثة، فحضور الرجل يعني في قاموس النساء إظهار كل مظاهر الأنوثة: في الهيئة، في الحركة، في الكلام، في النظرة، استدعاء كل جنود الاحتياط لاستمالة الرجل والإيقاع به.

تستدعي لطافتها ورقتها وليونتها ، وضعفها .. وهذه جنود لا يستطيع الرجل مقاومتها، فترى – ويا للعجب- حزم الرجل وقوته واستعلاءه، وجبروته.. كل هذه تتكسر عند أول ابتسامة تطل من ثغر مرأة ، أو عند أول نظرة يكشف عنها طرفها ، فيتحول تلك القوة وذلك الجبروت إلى إحساس عجيب غريب يغمر الجسم كله . فلا تصمد أمامه صلابة الرجل . وهل يصمد الحديد أمام حرارة النار ؟

فكلاهما بخاصيته وميزته لا يستقل بذاته ، إذ إنهما ينتميان إلى فصيلة بني البشر ، وأبواهما اثنان لا واحد فكان أن غرس فيهما نزعة من نوازع البشرية وعلى فطرتهما طابع وتوقيع الرب الذي خلق من كل شيء زوجين ، وإلا لما استوحش آدم في الجنة ، فيخلق له ربه من نفسه حواء ليسكن إليها ويأنس بها ، وجعل بينهما مودة ورحمة .

عندما يجد الرجل المرأة الصالحة ، يأوي إليها ، فتحتضنه بحبها وحنانها وجدانها ، تزيل عنه وطأة الضغط الاجتماعي وتخفف عنه عبء الحياة وثقل مشاكلها . يجلس إليها، يحادثها وتحادثه يبثها أسراره فتبادله نفس الشعور والإحساس.. حينها يسكن إليها وتسكن إليه ، فيشعر الإنسان بإنسانيته وتتحقق ذاته وتتحقق معها معاني الآية الكريمة ” ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة “.

*****

قال الثاني : بحديثك وضعتني موضع الطير في القفص، يرى الحرية تحيط به من ويتيقنها، فيخفق قلبه إليها لكن يقف أمامه جدار القفص، فلا هو يستطيع الخروج  إليها ، ولا هي تغيب عنه فتريحه.

أتجول في الشارع فأجد النساء، أدخل المحطة فأرهن يحطن بي، أذهب إلى الكلية فأجلس وسطهن، أبصر بهن عن جنب فيجن جنون شيطاني، ويتعلق بأجملهن ويقول لي هذه زوجتك، في هذه تجتمع مواصفات فتاة أحلامك، هيا…دونك، وإلا ظفر بها غيرك.

فأزجر شيطاني وأذكره حالي، فأقول أكيد كل ما تقول، لكن..لكن..لكن ليتني وليت شعري وليت أمي لم تلدني ذكرا وليتك لم تسلط علي. أما تعلم حالي وحال أمثالي؟ من أين لي  بتكاليف الزواج والمسكن والمطعم والملبس، وأنا لازلت عالة على أسرتي؟ لماذا تعذبني وقد تعلم أن حال المجتمع قد تبدل وأن الناس بدلوا وغيروا، فلم يعد المهر ذلك القدر الذي يعطى للمرأة تطييبا لخاطرها وتكريما لها ورفعا من شأنها على قدر استطاعة الزوج، ومن دون شطط أهل المخطوبة، بل كانوا يراعون حال الرجل فييسرون عليه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ” لو خاتم من حديد”.

أما الآن فالاجتماع قد تغير، والحياة تعقدت وازدادت صعوبة، فارتفعت المهور، وغاب المقصد من الزواج، وطغت النظرة المادية للحياة. وأصبح الآباء تجارا، ليس في سلع التجارة، بل في بناتهم، يزوجونهن لمن هو أكثر مالا وأغنى ثروة، ومنهم من يفوت على بنته الخاطب الأول ، ليقول للثاني قد أعطى الأول الكيت والكيت فلم نقبل وإن شئت أنت  فالثمن هو..ويقول للثالث..وهكذا يجعل من ابنته وسيلة للغنى، ولا يزوجون بناتهم لمن يرضون دينه وخلقه بل لمن يرضون ماله ووظيفته وسيارته.

وعادات المجتمع تفرض على العزاب قيودا وشروطا يصعب تحقيقها، فتقرر أن من أراد الزواج عليه أن يستقل بمنزله ويؤثث غرفة نومه، ويظهر الأبهة في حفل زفافه..وإلا تكلم الناس فيه.وما ذلك إلا تفاخر تافه.

أراد شيطاني أن يسخر مني فأبدى لي نصحا وقال: وأنتم أيضا جزء من المشكلة، تذمون كل ذلك وإذا توفرت لكم الشروط المادية، لا تتزوجون إلا ذات القدر العالي من الجمال، والمكانة الاجتماعية، والمستوى الثقافي، وتريدون أن تبدؤوا حياتكم من حيث انتهى الأزواج السابقون بعد كد ومعانات، فلا تتزوجوا إلا ولكم منزل مؤثث وسيارة..ولك..ولك وظيفة. أليس كذلك؟ كتمت هذه في نفسي وقلت له أو قد أسلمت؟؟

أضف تعليقاً »

الكلي والجزئي في النص الشرعي

القرآن الكريم دستور هذه الأمة ، ومصدر المعرفة والعلم عند المسلمين ، وإن العلوم التي أنتجها الفكر الإسلامي منذ النشأة إلى اليوم في شتى المجالات المعرفية والتخصصية لا تخرج عن كونها إما مستنبطة من النص أو خادمة له، فهذه علوم اللغة العربية كان منشؤها والداعي إلى جمعها وتدوينها وتقعيد قوعدها هو حاجة الأمة إلى فهم كتاب ربها .إن العلوم الشرعية ما كان لها أن تظهر لولا وجود النص الشرعي بين يدي الأمة ، وقد كان القرآن الكريم ولايزال ملجأ المسلمين، وإليه يهرعون عند اشتداد الأزمات والصراعات الفكرية والسياسية والعسكرية ، في إطار التدافع الحضاري للأمة الاسلامية مع غيرها من الأمم.والمسلمون اليوم يجدون أنفسهم أحوج ما يكونون للعودة إلى القرآن الكريم قراءة وتدبرا واستنباطا، من أجل استأناف السير الحضاري وتقويم ما ظهر من اعوجاج وتحريف في الفهم والسلوك ، باعتبارالقرآن الكريم مصدرا مرجعيا في التشريع والمعرفة والأخلاق.وقد صار التجديد في الدين أمرا ضروريا ، بل إنه يفرض نفسه بإلحاح، وإن أي تجديد لابد أن يتوجه إلى تجديد الفهم قبل أي شيء آخر ، وإن أمراض الأمة الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية التي ظهرت في الأمة ما هي في الحقيقة إلا أعراضا في فهم الدين، وخاصة في فهم نصوص الشريعة قرآنا وسنة.فلابد من مراجعة شاملة ونقد الذات نقدا منهجيا جريئا للوقوف على مواطن الخلل في العقل الاسلامي الذي صار لاينتج فما بالك أن يرسل ، وأغلق باب الاجتهاد واكتفى بالتقليد.    إن الإنتاجات العلمية التي أنتجها المسلمون في عصور الإزدهار كانت تلبية للحاجات والتحديات الحضارية للأمة آنذاك ، فالمفسر وهو يفسر آيات القرآن الكريم أية أية وجزء جزء، والفقيه وهو يبحث في أحكام التيمم والبيوع إنما كان الداعي إلى ذلك « البحث عن الأحكام العملية للمسلمين ؛ لأن ا لرؤية الاسلامية قديما كانت هي السائدة ولامنافس لها على المستوى النظري ، فكان طبيعيا أن ينصرفوا إلى البحث في الأمور العملية ، فالمسلم يومئذ سواء كان طالب علم أو عالما أو عاميا كان يريد أن يعرف كيف يعمل  »  [1] . أما الآن فإن التحدي أمام المسلمين قد تغير وصارت تواجهنا تحديات فلسفية أديوليوجية كلية ، تطرح بديلا له بناء نظري متكامل متماسك ، فكان ضروريا أن يستجيب الفكر الاسلامي اليوم لمعالجة هذه التحديات ، بوضع البناء النظري للكليات الشرعية قبل التحدث في الجزئيات الشرعية، وإن كان هذا من ذاك.لقد أصبح الفكر الاسلامي في أمس الحاجة إلى هذا التأسيس في الفقه والأصول والتفسير ، اعتمادا على الكليات الحاكمة للنص برمته.وهذه الكليات العامة للشريعة ترجع في جملتها تصريحا أو تضمينا للقرآن الكريم والسنة النبوية ، فمن القرآن الكريم تستفاد مقاصد الشارع من إرسال الرسل وتنزيل الكتب وبيان العقيدة والأحكام وتكليف المكلفين ومجازاتهم وبعث الخلائق والحياة والكون والوجود … فقد ورد أن المقصد من الخلق هوعبادة الخالق تعالى والإمتثال إليه ، وقد دلت على هذا آيات كثيرة منها قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }الذاريات:56. وقوله عز وجل:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ }المؤمنون:115.ومن القرآن ثبتت الكليات الشرعية الخمس : حفظ الدين ، والنفس ، والعقل ، والنسل ، والمال، فقد توالت طائفة من نصوصه لتثبيت تلك الكليات وتدعيمها، واعتبارها أصولا قطعية معتبرة في كل الملل والنحل. ومنه أيضا حددت الكثير من الحكم والعلل والأسرار الجزئية التي تعلقت بأحكامها الفرعية، فشكلت محتوى مهما أسهم في إبراز المقاصد وتكونها ، من أمثلة ذلك حكمة اعتزال النساء في المحيض التي هي دفع الأذى ، وحكمة تشريع الزواج من أجل السكن والمودة والرحمة وإعمار الكون ، وحكمة تحريم الزنا وذلك لفحشه ومفاسد مآله ، وحكمة وجوب القتال قصد دفع الظلم عن المسلمين والدفع عن دينهم… ومنه استخلصت ودونت بعض القواعد الفقهية ذات الصلة بالمقاصد الشرعية ، فقد كان المنشغلون بفن القواعد يرجعون كل قاعدة إلى أصلها من القرآن والسنة مثل قاعدة: المشقة تجلب التيسير، الضرورات تبيح المحضورات ، الضرورة تقدر بقدرها، وقاعة : العادة محكمة.ومن القرآن أيضا تبلورت أصول المعاملات ، ومعاني القيم والأخلاق مثل العدل والاحسان والمساواة والحرية والكرامة والوفاء والصلاح…ومنه تبينت العديد من المباحث والنظريات الفقهية والأصولية والقانونية على نحو نظرية الالتزام ، والحق والضمان والمصالح والضرورة ورفع الحرج والرخصة « التي تهدف إلى صياغة الرؤية الفكرية الاسلامية المعاصرة وتدوين النظام الفقهي القانوني المؤطر لمختلف النوازل والظواهر ، الموجه لتصرفات الناس وتعاملهم وفق تعاليم الشريعة ومقاصدها ومصالح المكلفين بها »  [2] .فلابد للعقل المسلم من ربط منهجي منظم لعلاقة الكلي بالجزئي قصد تحقيق فهم راشد للنصوص بربط الجزئيت بالكليات، إذ  « لايكفي النظر في هذه الأدلة الجزئية دون النظر إلى كليات الشريع ، وإلا تضاربت بين يديه ـ أي المجتهد ـ الجزئيات وعارض بعضها بعضا »  [3] .وقد تحدث الامام أبو حامد الغزالي عما يراعيه المجتهد في الاستنباط قائلا: « ويلاحظ القواعد الكلية أولا ويقدمها على الجزئيات ، كما في القتل بالمثقل ، فتقدم قاعدة الردع على مراعاة الاسم الوارد في الجزئي»  [4] .والعقل المسلم في صياغته لهذه الكليات والجزئيات اعتمد على النص الشرعي باستقراء آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن ثم قسم العلماء مسالك هذه الكليات الشرعية إلى قطعية وظنية «  فالمعاني القطعية هي التي ثبتت بأدلة كثيرة تصل إلى درجة القطع أو القريب من القطع، وهذه هي كليات القرآن والشريعة التي لم تثبت بآحاد الأدلة وإنما ثبتت باستقراء أدلة غير منحصرة  أو منحصرة ولكنها كثيرة  »  [5] ، فالمعى الجزئي مثلا الوارد في نص معين إذا تقوى بأدلة ظنية دالة على نفس المعنى أفاد القطع ، وهذا شبيه بالتواتر المعنوي الذي يكون مستنده الاستقراء ، ومن ثم دلل أهل الأصول على وجوب الصلاة والزكاة وغيرهما إذ لو استدل مستدل على وجوب الصلاة بقوله تعالى:أقيموا الصلاة . لكان استدلالا ظنيا لتوقفه على مقدمات صار بها فرض الصلاة  ضروريا في الدين. إن هذه الكليات والجزئيات الشرعية تحتاج إلى إطار نظري ناظم يحدد بدقة المصطلحات والمفاهيم ويضع الضوابط والقواعد التي تحكم تناول الكلي والجزئي في النص الشرعي . و يجيب عن الإشكالات مثل:ماهو الكلي والجزئي في النص الشرعي ؟ ماهي شروط اعمال مفهوم الكلي والجزئي ؟ وماهي القضايا التي تنتظم تحته؟ .ماهي ضوابط وقواعد الكلي والجزئي؟ ماهو منهج التعامل مع الكلي والجزئي، من حيث الاثبات والعرض والاستدلال والاستعمال؟.ماعلاقة الكلي والجزئي بدليل الاستقراء، ومفاهيم القطع والظن؟.كيف يمكن توجيه نصوص السنة في ضوء مقاصد القرآن الكلية ؟.كيف نرتقي بالكلي والجزئي ليشكل الاطار النظري العام المستوعب لاشكالات العصر ونوازل وأقضية المجتمع المعاصر؟


[1]  -  مجلة المنطلق الجديد ، عدد :9 ، ص: 79-80.
[2]  -  الاجتهاد المقاصدي ، كتاب الأمة الجزء الأول ( بتصرف) .
[3]  -  الموافقات ج: 1، ص:3.
[4]  -  الموافقات ج: 1، ص: 14.
[5]  - 
أضف تعليقاً »

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.